الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

134

نفحات الولاية

آدم عليه السلام قد ارتكب المعصية ، بينما لا يرى أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام الذين يؤمنون بعصمة الأنبياء عن كل خطأ وزلل - سواء في باب العقائد وتبليغ الأحكام الشرعية أو في باب الأعمال والأفعال اليومية قبل النبوّة وبعدها - « 1 » . أنّ آدم عليه السلام قد قارف أية معصية وأن نهي اللَّه لآدم عليه السلام عن تلك الشجرة المحظورة لم يكن نهياً تحريمياً ، بل كان فعلًا مكروهاً ، ولما كان مقام الأنبياء ولا سيما آدم عليه السلام الذي سجدت له الملائكة لمن العلو والرفعة بحيث لا يتوقع ارتكابهم للمكروه ، فان فعلوا ذلك آخذهم الحق سبحانه فحسنات الأبرار سيئات المقربين - وبعبارة أخرى الذنوب على قسمين : ذنوب مطلقة وذنوب نسبية . الذنوب المطلقة هي الذنوب لدى الجميع من قبيل الكذب والسرقة وشرب الخمر ، أمّا الذنوب النسبية فهي ليست بذنوب لدى عامة الناس ، بل قد تكون مستحبة لدى البعض من الناس ، بينما نفس هذه الأعمال المستحبة والمباحة قد يطلق عليها اسم المعصية فيما إذا صدرت من المقربين الذين يستبعد أن يقوموا بمثل هذه الأفعال ، إلّاأنّها ليست من قبيل الذنوب المطلقة بل الذنوب النسبية والمراد بها هنا « ترك الأولى » . كما ذهبت جماعة إلى النهي عن تلك الشجرة المحظورة على آدم عليه السلام كان نهياً إرشادياً لا نهياً مولوياً ، على غرار نصائح الطبيب وإرشاداته حين ينصح مريضه بعدم تناول الطعام الفلاني خشية من استفحال المرض وازدياد مدته . فمن البديهي أنّ مخالفة نصائح الطبيب لا تعتبر إهانة له ولا تعدّ معصية لأوامره ، بل‌ستجر تلك المخالفة على صاحبها مزيداً من الألم والمعاناة . وهذا هو المعنى الذي أشارت إليه بعض الآيات القرآنية بشأن قصة آدم عليه السلام : « فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى » « 2 » . وقد ورد في بعض الروايات أنّ آدم عليه السلام لم يتناول من تلك الشجرة المحظورة ، بل أكل من شجرة مشابهة لها ، ولذلك قال لهما الشيطان في ضمن وساوسه إنّ اللَّه لم ينهكما عن هذه الشجرة

--> ( 1 ) قال ابن أبي الحديد : تعتقد الإمامية لا يجوز على اللَّه أن يبعث نبياً وقد ارتكب المعاصي قبل نبوته سواء الكبيرة أو الصغيرة ، عمداً أو سهواً ؛ وتختص هذه العقيدة بالإمايمة ، أمّا أصحابنا فلا يرون امتناع الكبائر على النبي قبل نبوّته . وأضاف ابن أبيالحديد وهذا ما يعتقده الإمامية بالنسبة لأئمتهم الاثني عشر حيث يرون لهم عصمة مطلقة كعصمة الأنبياء ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 / 10 ) . ( 2 ) سورة طه / 117 .